الكل"الحياة" الدوليةمجلة "الوسط""الحياة" السعودية

علي ناصر محمد يتذكر اعترافات بصوت البيض ورفاقه تشكف حقيق أحداث 1986 : عدن عرضت علي الرئاسة وصنعاء منصب نائب الرئيس 

تفاصيل النشر:

المصدر: الوسط

الكاتب: غسان شربل

تاريخ النشر(م): 17/7/1995

تاريخ النشر (هـ): 19/2/1416

منشأ: دمشق

رقم العدد: 181

الباب/ الصفحة: 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - مذكرات

هل يمكن مواجهة المستقبل بتجاهل الماضي خصوصاً القريب منه؟ وهل يكفي الحديث عن فتح صفحة جديدة للاطمئنان الى ان الحاضر والمستقبل لن يدفعا ثمن ما حصل في الصفحة التي قيل انها طويت؟ واذا كان العالم بأسره يتجه الى التحول قرية صغيرة تتدفق بين حاراتها المعلومات والصور والارقام هل كثير ان نحاول ادخال بعض الشفافية على طريقة تناول بعض المحطات في بعض الاماكن؟ وهل يجوز، ونحن في نهايات هذا القرن الكبير، الاستمرار في الرضوخ لمنطق الرواية الواحدة التي لا تتسع لنقاش او سؤال خصوصاً انها تكتب بحبر المنتصر ثم سرعان ما تنسف حين يتحول المنتصر مهزوماً فتنتهك الحقائق هنا وهناك؟

لا غرابة في ان يثير بعض روايات اللاعبين الذين شملتهم سلسلة "يتذكر" ردود فعل غاضبة او ساخطة من لاعبين آخرين كانت لهم ادوار مناقضة على المسرح نفسه. ولعل الصحافي يبتهج احياناً حين يكون لحوار ما دوي يثير حماسة سياسيين او قراء يقطنون في اقطار بعيدة. لكن الأهم يبقى ان يتراجع الغضب في رد الفعل مفسحاً المجال للرد المطلوب وهو التصحيح والتوضيح وتقديم الرواية الأخرى على ان يترك الحكم النهائي للقارئ نفسه وبعد تمكينه من مقاربة الحدث عبر تعدد الاصوات وتباين الروايات.

مناسبة هذا الكلام لأن أحد السياسيين استقبل "الوسط" بعتاب غاضب. قال ان أحد الذين "تذكروا" تعمد نسيان ادوار الآخرين وبالغ في تلميع دوره وتجنى على الحقيقة في اكثر من مكان وبلغ حدود التزوير. واستغرب السياسي ان تفرد "الوسط" لرواية الشخص المعني "صفحات وصفحات" كأنها تقر له بـ "الحجم الذي يدعيه او تؤيده في رواياته". وكان لا بد من تذكير المسؤول بأن المتحدث في هذه السلسلة لا يلزم الا قائله وان دور محاوره يقتصر على طرح الاسئلة وعلامات الاستفهام وضمان نقل كلام المتحدث بأمانة ولا يمكن ان يصل الى حد تشذيب الرواية أو التصرف بملامحها. وبعد نقاش دام أكثر من ساعة اقتنع المسؤول بأن افضل طريقة "لتصحيح ما قد يكون علق في الاذهان" هو ان يخرج عن صمته لتسمية الاشياء بأسمائها اي ان يتذكر.

لا شك في ان الرجوع الى المحطات الساخنة في الماضي القريب يسبب متاعب واحراجات للمتحدث ولمن تعنيهم الرواية خصوصاً حين يكون هؤلاء في موقع المسؤولية الذي يمنعهم من "قول كل شيء". ولكن هل الافضل دفع كل هذه المحطات الى النسيان لتعالجها لاحقاً مباضع المؤرخين بعد توافر ما يلزم من المسافة والبرودة والحياد؟ أولا يسهل تسجيل هذه المحطات بأصوات اصحاب القرار فيها مهمة من سيتصدى لاحقاً للتدقيق في احداثها والملابسات؟ وهل يجوز الاستمرار في سياسة الصمت والابتعاد عن المواضيع الشائكة لترك الروايات في عهدة الورثة يقررون في ضوء حساباتهم ومصالحهم هل الثمن يشجع على النشر؟

لا تستطيع سلسلة "يتذكر" خوض المحطات التي لا تتسع الا لذاكرة وحيدة. وربما لهذا السبب بدأت لبنانية ثم فلسطينية وها هي تصل اليوم الى محطة يمنية.

* * *

منذ خروجه من عدن في 13 كانون الثاني يناير 1986 على دوي الصدامات الدامية بين انصاره وانصار خصومه في الحزب الاشتراكي يرفض الرئيس علي ناصر محمد الحديث عن تلك المحطات وعما سبقها ايضاً. ولم يكن الموقف غريباً فخروج علي ناصر لم يؤد الى انهاء دوره او وجوده، والدليل هو ان صنعاء عرضت عليه خلال حرب العام الماضي منصب نائب الرئيس ورئيس الوزراء وان عدن عرضت عليه، وفقاً لما يكشفه في حلقة اليوم، منصب نائب الرئيس على ان يعود بعد 3 أشهر الى منصب الرئاسة في اليمن الجنوبي.

كان علي ناصر محمد حاضراً في كل المحطات التي اعقبت استقلال اليمن الجنوبي في 1967 وكان فاعلاً في الكثير منها وصاحب القرار في الحزب والدولة من 1980 حتى خروجه، اضافة الى موقعه في العقد السابق وزيراً للدفاع ورئيساً للوزراء ونائباً للرئيس. لا يمكن كتابة تاريخ اليمن الجنوبي من دون التوقف طويلاً عند علي ناصر محمد. البناء الفعلي للقوات المسلحة تم تحت اشرافه وطريق الوحدة التي انجزت في غيابه، يحمل بعض بصماته، وسياسة الانفتاح ارتبطت باسمه. لهذا السبب تشعب الحديث. سألناه عن 1986 فكشف وجود اشرطة بأصوات الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي علي سالم البيض ورفاقه توضح ما حصل. وسألناه عن العلاقة مع الاتحاد السوفياتي وصواريخ "سكود" والارهاب وكارلوس ووجود عسكريين يمنيين جنوبيين خارج أراضي بلادهم وعن العلاقات مع دول المنطقة وشخصيات عرفها، وعن مسيرته الشخصية.

بديهي ان يبدأ الحوار مع الرئيس علي ناصر محمد بالسؤال عن احداث 1986 ليس فقط لأنها أدت الى خروجه من السلطة بعد طول اقامة فيها بل أيضاً لأن تلك الاحداث تركت آثارها على كل ما شهده اليمن لاحقاً.

خرجت القيادة اليمنية الجنوبية مثخنة من تلك الاحداث، فاضافة الى مقتل رموز في طليعتها عبدالفتاح اسماعيل وعلي عنتر وغيرهما تصدع الحزب والجيش، وتصدعت وحدة الشعب خلفهما.

وعندما اعلنت الوحدة اليمنية في 1990 على يد الرئيس علي عبدالله صالح والسيد علي سالم البيض بدا واضحاً ان الجنوب القى بنفسه في حضن الشمال تماماً كما ألقت المانيا الشرقية نفسها في حضن الوطن الأم بعد سقوط الجدار أو تصدعه. لقد تصدع الجدار اليمني عندما اختار قادة الحزب الاشتراكي، او بعضهم على الأقل، الاقتتال حتى الانتحار فخسر علي ناصر على الفور وخسر المنتصرون لاحقاً، كما تصدّع الجدار نفسه حين راح الاتحاد السوفياتي ينحسر استعداداً للانفجار. هكذا بات النظام القائم في عدن بلا مظلة فاختار الذهاب الى صنعاء ليحاول بعد اربعة اعوام العودة متأخراً الى عدن وكان الثمن باهظاً. من دون احداث 1986 كانت التوازنات مختلفة داخل الجنوب وداخل اليمن كله وهنا نص الحلقة الأولى:

< ماذا لو عدنا بالذاكرة الى ساعة خروجكم من عدن اثر الصدامات الدامية التي وقعت في 13 كانون الثاني يناير 1986؟

- أحب أولاً أن أقول أنني، منذ تلك الأيام المؤلمة التي كانت خسارة لليمن واليمنيين، آليت على نفسي ألا أتحدث في هذا الموضوع. موقفي هذا لا ينطلق ابداً من رغبة في اخفاء شيء أو التستر على شيء أو من حرج ما لكنني لا أحب فتح الجروح وإثارة الذكريات الموجعة. ثم أنني اعتقد بأن انظارنا كيمنيين يجب ان تتجه نحو المستقبل. ففي هذا العالم الذي تغير ويتغير يتحتم علينا ان نضم الجهود من أجل مستقبل وطننا.

الواقع ان الخوض في تلك الاحداث قد يقود الى تحديد المسؤوليات وربما اعتبر من باب الشماتة نظراً الى أوضاع بعضهم اليوم. وأقول بصدق انني لست أبداً في وارد تصفية الحسابات مع احد او التسبب لبعضهم في مزيد من الاحراج فانا أدعو الى ان نتعلم جميعاً من اخطائنا. ففي السنوات التي اعقبت تلك الاحداث كان لديّ الكثير لأقوله وهو مرفق بالادلة والوثائق وكان يمكن ان يتسبب في ازعاج بعض من كانوا خصوماً لنا في تلك الاحداث. لكنني لم افعل ذلك وان كنت قد سجلت كل تلك التطورات وتفاصيلها وملابساتها في مذكراتي التي ستنشر في الوقت المناسب. المهم ليس تسجيل المواقف، المهم هو استخلاص العبر والخروج من الذهنية التي أدت الى المحطات المؤلمة وهي غير قليلة في تاريخ اليمن الحديث.

الليث واليمن

< هل لحسابات السلطة علاقة بقرار عدم الخوض في التفاصيل؟ والى أي درجة يصعب على من كان في السلطة الاقامة خارجها؟

- السلطة لمجرد السلطة مسألة خطيرة على من يمارس هذه اللعبة وعلى بلاده أيضاً. وفي استطاعتي القول ان السلطة لم تكن قضية بالنسبة اليّ. والأمر نفسه بالنسبة الى العودة الى السلطة. انا اكتويت بنار السلطة وخبرتها في مواقع عدة، وزيراً للدفاع ورئيساً للوزراء ونائباً للرئيس ورئيساً للدولة. السلطة ليست نزهة في بلادنا وفي اوضاع تتضمن الكثير من التعقيدات والحساسيات، انا أردد دائماً بيتاً من الشعر يقول:

واتعس الناس في الدنيا وانكدهم

من يركب الليث أو من يحكم اليمنا

ورداً على سؤالك أقول أنني لا أريد أن أركب الليث ولا أريد أن أحكم، واننا سنضع يدنا في يد القيادة من أجل تحقيق الاستقرار. ولو كان الأمر يتعلق بموقع في السلطة لقبلنا بما عرض علينا.

البيض عرض الرئاسة

< تردد ان صنعاء عرضت عليكم مثل هذا الموقع خلال حرب العام الماضي؟

- جاءتني عروض كثيرة. عرضت عليّ صنعاء منصب نائب الرئيس ورئيس الوزراء. وعرضت عليّ عدن منصب نائب رئيس على أن أتولى الرئاسة بعد ثلاثة أشهر فقط. رفضت العرضين فقد جربت السلطة وخبرتها.

< من الذي كان وراء العرض من عدن؟

- القيادة التي كانت هناك، اي علي سالم البيض ورفاقه.

التجربة والعبرة

< هناك تهمة موجهة اليكم وهي انكم تتحملون مسؤولية الطلقة الأولى في احداث 1986؟

- في الواقع لا بد من العودة الى ما قبل تاريخ الانفجار، فالتوتر سابق لكنه بلغ الذروة في بداية 1986. شعرت بخطورة الوضع وقدمت سلسلة تنازلات لأنني اعتبرت ان اوضاع البلد لا تحتمل مواجهة عسكرية. هناك من يسأل من اطلق الطلقة الأولى، وأنا أقول ان المهم ليس من اطلق الأولى ما دام الوضع مهيئاً للانفجار. ألم أقل لك انها محطات مؤلمة؟ لقد خسرنا في كل الاحداث التي مرت بها اليمن منذ 1967 وحتى حرب العام الماضي، المهم الا يتكرر ما حدث. لقد عانت اليمن حروباً داخلية قبل الوحدة وخلالها وبعدها.

< متى خرجت من عدن؟

- خرجت يوم 13 يناير وبعد ساعة من انتشار اطلاق النار. كانت لدينا معلومات عن خطط لاعتقال بعض القيادة وعن خطة لاغتيالي لو حضرت اجتماع المكتب السياسي. هناك من نصح بالانسحاب الى أبين وهذا ما حصل. كنا نتمنى ألا يحدث ما حدث خصوصاً انني كنت اطرح مع كل الوفود التي كانت تسعى الى احتواء الوضع اننا على استعداد للحوار حتى ولو كانت فرص نجاح هذا الحوار لا تتعدى الخمسة في المئة. ولم نكن السبب في تعثر الوساطات التي حصلت وقام بها السوفيات والاثيوبيون وجهات اخرى.

الوقائع بالصوت

الحقيقة ان ما حدث في 1986 لم يكن سراً وهو لم يعد سراً على الاطلاق. وسأكشف لك مسألة في غاية الأهمية من شأنها حسم الجدل في هذا الموضوع. في اعقاب حرب العام الماضي عثر في منزل احد مسؤولي الحزب الاشتراكي اليمني ... على اشرطة تسجيل لاجتماعات عقدها المكتب السياسي للحزب في النصف الأول من العام 1986 وتركزت على تقويم احداث 13 يناير ومناقشة وثيقة نقدية.

وفي هذه التسجيلات، وهي 20 شريطاً، يقول احد المسؤولين ان ما نفذوه في 13 يناير كان خطة وقائية ناجحة فيرد علي سالم البيض عليه بأنها كانت خطة هجومية ادت الى حسم الوضع. وتظهر هذه التسجيلات ان علي سالم البيض وعبدالفتاح اسماعيل وعلي عنتر شكلوا في 1983 قيادة سرية داخل القيادة انضم اليها في 1985 حيدر ابو بكر العطاس. كما تظهر الاتصالات التي اجراها اركان هذه القيادة وكيف قادوا العمليات التي كانت جزءاً من خطة كاملة.

انني اعتبر هذه التسجيلات ملكاً للتاريخ ويوم يحين الموعد المناسب ستنشر بكل ما فيها وبكل ما تضمنته من اتهامات لي بما في ذلك ارتكاب الخيانة العظمى. مضمون التقويم الذي اجراه المكتب السياسي والوارد في التسجيلات ينتهي الى ادانة للسياسة التي انتهجتها على الصعيدين الداخلي والخارجي. ادانة لسياسة الانفتاح التي انتهجتها في التعامل مع صنعاء والسعودية وسلطنة عمان والتي اعتبروها خروجاً على خط الثورة اذ رأوا في تطبيع العلاقات مع دول الخليج انحرافاً عن الخط الاممي. وادانة لسياستي الداخلية بسبب الانفتاح على القطاع الخاص والمغتربين وانتعاش البرجوازية على حد قولهم.

اختاروا الحسم العسكري

أخطر ما في المسألة هو ان هذه المجموعة التقت في 10 يناير كانون الثاني - اي قبل ثلاثة ايام من الاحداث - القيادة العسكرية واتخذت قراراً بالحسم العسكري. والواقع ان المكتب السياسي كان اجتمع في 9 يناير، واعتبر جو المناقشات طبيعياً داخله لكن التوتر كان قائماً في الخارج بسبب عملية التعبئة في بعض الوحدات العسكرية وبمبادرة من المجموعة نفسها.

وخلال الاجتماع لم ننجز مناقشة جدول الأعمال وكان حيدر ابو بكر العطاس وعبدالعزيز الداخلي يستعدان للسفر الى الصين. اقترحت ان نستكمل المناقشات بعد عودتهما خصوصاً اننا كنا نستعد لاستقبال الرئيس الايراني علي خامنئي وقد وصل الوفد التمهيدي للزيارة. وأصر البيض ورفاقه على عقد اجتماع المكتب السياسي في 13 يناير، وبدا واضحاً انهم يستعجلون الحسم، في حين اردت كسب الوقت علّ الحوار ينجح في نزع فتيل التفجير.

التسجيلات حافلة بالادانات لي بالاتهامات بالانحراف عن الخط الاممي والتراجع عن نهج الثورة اليمنية، وباقامة علاقات على حساب العلاقات مع موسكو والمعسكر الاشتراكي.

بعد الخروج من عدن أمضيت اسبوعاً في أبين. فعلى رغم الانفجار كان الحوار قائماً، وشكلت لجنة مشتركة منا ومنهم وضمت ممثل "الجهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" في عدن محمد صبري كتمتو، ودار الحوار تحت اشراف السفير السوفياتي. كانت الاتصالات مستمرة بيننا وبين الطرف الآخر وبيننا وبين القيادة السوفياتية التي اقترحت ارسال وفدين الى موسكو لكن الأمور حسمت عسكرياً وخرجت من أبين الى صنعاء ومنها الى أديس ابابا.

موسكو حياد فانحياز

< كيف تدرج وقف موسكو خلال الاحداث؟

- موقف السوفيات كان محايداً ثم صامتاً وبعدها انحاز الى الاخوان الذين اصطدمنا معهم، لأنهم انحازوا في الواقع الى مصالحهم اي السوفيات.

< كم كان حجم الخسائر البشرية في مواجهات 1986؟

- ليس هناك رقم محدد، لكنني اعتقد بأن الخسائر كانت أقل من الرقم المتداول آنذاك وهو اربعة آلاف شخص. طبعاً نحن نعتبر خسارة شخص واحدة خسارة كبيرة. لقد خسرنا جميعاً وخسرنا رفاق سلاح كانت لي معهم صداقة هم علي عنتر وصالح مصلح وعبدالفتاح اسماعيل.

أقول بألم وأسف ان بعض القياديين في الحزب لم يتفهم السياسة الداخلية التي اتبعتها وكذلك العلاقة مع صنعاء ومسقط. لا بل انهم اعتبروا الأمر انحرافاً عن الثورة. انا لا اتهمهم بالخيانة لكنهم لم يدركوا المتغيرات التي حصلت في العالم. بعد 1986 لم اوجه اليهم على الاطلاق تهمة الخيانة لكنهم اصدروا عليّ حكماً بالاعدام ثم اصدروا عفواً في 1992. ما فائدة الخطوات المتأخرة؟

< هل كان هناك توتر دائم مع عبدالفتاح اسماعيل؟

- لا، كانت علاقة عادية أو طبيعية. بعدما قدم استقالته في 1980 منحناه وساماً والقى كلمة في التلفزيون اشاد خلالها بي ودعا الناس الى الالتفاف حولي. المال والسلطة يفرقان بين رفاق السلاح. هذا الأمر مؤلم في اليمن وخارجها. وقبل اعلان الوحدة ربطت القيادة في عدن موافقتها النهائية بخروجي من اليمن فوافقت على الخروج وأيدنا الوحدة على رغم خلافنا مع الفريق الموجود في عدن.

دور الـ "كي. جي. بي"

< هل لعب جهاز الـ "كي. جي. بي" دوراً في ترجيح كفة خصومكم في احداث 1986؟

- هناك معلومات تجمعت عن تورط بعض عناصر الـ "كي. جي. بي" في الخلاف الداخلي في اليمن الديموقراطية. ونشر بعض وسائل الاعلام وثائق تؤكد هذه المعلومات. ومنها ما نشرته صحيفة "كينيا اكسبرس". وقيل ايضاً ان طائرات انطلقت من البحر وقصفت مستودعات الذخيرة في جبل حديد. لا توجد أدلة ملموسة لديّ على ذلك. اما كيف تدرج الموقف السوفياتي في الاحداث فقد ذكرت لك ذلك.

< هناك من يعتقد بأن جهاز الـ "كي. جي. بي" لعب دوراً في انهيار الوضع في عدن؟

- يبدو ان السياسة التي انتهجتها على الصعيدين الداخلي والخارجي اثارت ردود فعل متباينة في موسكو. بعض الاجهزة السوفياتية رأى ان السياسة التي أقودها يمكن ان تكون في النهاية على حساب علاقاتنا مع موسكو والدول الاشتراكية. وتسربت انباء انني اسعى الى تنويع مصادر السلاح وانني ارسلت من دون علم القيادة اليمنية وفوداً الى فرنسا وبريطانيا لهذا الغرض. طرحت القيادة السوفياتية الموضوع معي فنفيت وقلت ان من حقنا ان نقيم علاقات متوازنة مع هذه الدول وانتم لكم علاقات معها، ثم ان العلاقات مع دولة من المعسكر الآخر لا تعني الانحياز اليه. في هذا السياق يمكن الحديث عن صراع في موسكو على الموقف الواجب اتخاذه من السياسة التي كانت متبعة في عدن آنذاك.

منغيستو صديق وفيّ

< هل كنت تتوقع في 1986 مساعدة من الرئيس الاثيوبي منغيستو هايلي مريام وهل خيبك موقفه؟

- أنا اعتبر منغيستو صديقاً وفياً سواء كنت داخل السلطة او خارجها. لا يصح أبداً ان ننسى ما فعله الناس او ان نتنكر لما فعلوه. لقد احتضن منغيستو مئات من الناس بعد 1986 وكان بينهم بحارة وطيارون وقياديون. كان مهتماً بتشجيع الحوار وبذل جهوداً في ابريل نيسان 1986. قدمنا مشروعاً كاملاً للمصالحة الوطنية الى الاخوة في عدن وهو ينص على وحدة الحزب والجيش والشعب. وكان هناك، ويا للأسف، اتجاه متشدد ومعارض للحوار. وأعود لأقول مجدداً ان المهم هو ان نستفيد من كل الاخطاء التي ارتكبناها وأن نوجه انظارنا الى المستقبل.

< قبل العودة الى الماضي نريد ان نسأل عن "المركز العربي للدراسات الاستراتيجية" الذي اسستموه حديثاً واخترتم دمشق مقراً رئيسياً له. ما هي الاهداف التي تسعون الى تحقيقها من وراء انشاء هذا المركز؟

- أولاً، احب ان اؤكد ان انشاء المركز العربي للدراسات الاستراتيجية ليس غطاءً سياسياً اتخفى تحت مظلته كما يشيع بعضهم، فأنا استطيع بما عندي من علاقات واسعة داخل اليمن وخارجها توظيف هذه العلاقة بما يفيد شعبي اليمني وأُمتي العربية. لكن الحاجة، أي حاجة الوطن العربي الى البحث العلمي والدراسات الاستراتيجية المتعمقة والشاملة لأوضاع الوطن العربي هي التي املت ضرورة تأسيس هذا المركز. فبعد حوارات طويلة ومعمقة مع كثير من المسؤولين العرب والمثقفين والمفكرين والباحثين العرب وغير العرب، وجدنا الجميع مستوعبين الفكرة، ومدى حاجة الوطن العربي الى مركز من هذا النوع، والى ابحاثه وخدماته التي سيقدمها الى المجتمع، وبخاصة للمهتمين ولاصحاب صناعة القرار.

< ما هي الغايات التي تسعون الى تحقيقها؟

- ينطلق المركز من مفهوم قومي شامل، يؤكد وحدة قضايا الوطن العربي وتقارب الاهداف والغايات التي يسعى اليها. ويعطي مساحة كبيرة ومميزة لقضايا الخليج العربي عامة، والمسائل التي ترتبط باليمن خاصة.

ويؤمن مركزنا بالوحدة المصيرية للاقطار العربية، وبالاختلاف والتمايز العربيين داخل هذه الوحدة، الأمر الذي يجعل المركز يعالج قضايا عربية عامة ومشتركة من ناحية، ويدفع به الى معالجة المسائل التي تخص كل قطر عربي على حدة.

وهذا معناه ان المركز يعنى بالقضايا العربية المختلفة، لكنه يقوم بذلك داخل منظور استراتيجي برصيد التغيرات المشخصة في الواقع العربي، ونزوعها العام، بغية تعيين الخاص والعام من ناحية وتحديد الراهن والاستراتيجي من ناحية اخرى.

< هناك الكثير من المراكز العربية القائمة وكلها تقوم الى هذا الحد او ذاك بالبحث العلمي، فأين موقع مركزهم وسط هذه المراكز؟

- الطموح الذي يتطلع اليه المركز العربي للدراسات الاستراتيجية لن يتحقق الا بجهود عربية متعددة، تقبل بطموح المركز، وتساهم في نقل هذا الطموح من مستوى الرغبة الى مستوى التحقق. ونحن لا نضع انفسنا بديلاً من احد. وقد قلنا ذلك بكل صراحة ووضوح في اللقاء التأسيسي للمركز في دمشق المنعقد في نيسان 1995، والذي حضره كل رؤساء مراكز البحث العربية تقريباً وقرابة مائة وسبعين من صفوة المفكرين والمثقفين العرب من شتى انحاء الوطن العربي. لكننا لاحظنا ونبهنا الى غياب التنسيق بين مراكز البحث العربية، وتشتت الجهود، والامكانات المادية والفكرية والفنية. ودعونا الى قيام هذا التنسيق لمصلحة البحث العلمي العربي ووجدنا تجاوباً وتفهماً من الجميع.

< وكيف ستحققون هذا التنسيق؟ هل وضعتم افكاراً محددة؟

- بعد تأسيس المركز مباشرة شاركت على رأس وفد منه في الندوة التي نظمتها الجامعة العربية في تونس للمسؤولين من مراكز البحوث الاستراتيجية العربية. وخلال هذا اللقاء القيت كلمة حددت فيها بعض الافكار والمقترحات الأولية التي نعتقد انها جديرة بالبحث والدراسة لتحديد السبل الممكنة لتنفيذها. فقد اقترحنا ان تكون للعرب شبكة معلومات خاصة تكون مهمتها خدمة الابحاث وانشاء قاعدة المعلومات، وهذا يصب في جوهر اهداف مركزنا حيال العمل العربي المشترك. واقترحنا ان نضع الأساس لتكوين صندوق عربي لتمويل المشاريع البحثية تساهم فيه المؤسسات حكومية أو أهلية والجهات التي تريد الاستفادة من هذه البحوث.

كما يمكن ان تساهم فيه الجامعات ومراكز البحوث. كما يمكن الشركات ان تقدم بعض الاجهزة لخدمة تكنولوجيا المعلومات والتوثيق. واقترحنا ايضاً انشاء هيئة او مجلس تنسيق اعلى يضم نخبة المفكرين والمثقفين والمهتمين في مراكز الدراسات الاستراتيجية العربية، ويكون هدف هذا المجلس تنسيق الأهداف والخطط البحثية وتوحيد الجهود والامكانات الفكرية والمادية واقتراح الحلول الناجعة لمستقبل الابحاث العربية الاستراتيجية بما يخدم اهداف العمل العربي المشترك وبرامجه واخيراً اكدنا تبادل الدراسات والبحوث بين المراكز والمعاهد البحثية العربية في الوطن العربي والعمل على تحليل مشترك لها واستخلاص الهموم المشتركة والخروج باستنتاجات، ووضع المقترحات والمعالجات على مستوى الوطن العربي، وتقديم قراءة معمقة للتحديات الاستراتيجية التي تواجهه، وطرح الخيارات والتصورات والسياسات البديلة لمواجهتها بهدف تنوير الرأي العام وترشيد عملية صنع القرار.

وبموازاة ذلك التقيت عدداً من السفراء والمستشارين الثقافيين المعتمدين في دمشق وشرحت لهم نتائج اللقاء التأسيسي الذي انبثق منه المركز العربي للدراسات الاستراتيجية. كما قمت بجولة عربية ولمسنا التأييد والرغبة في دعم المركز من الدول الشقيقة والصديقة، وكذلك وقعنا "مذكرة تفاهم" مع جامعة الدول العربية سنحصل بموجبها على دعم الجامعة في عدد من المجالات المتعلقة بالمعلومات والابحاث وتنظيم المكتبة والتدريب.