الكل"الحياة" الدوليةمجلة "الوسط""الحياة" السعودية

"إنقاذ الأمل" ... الصعود إلى الأسفل 

تفاصيل النشر:

المصدر: الحياة - طبعة السعودية

الكاتب: عبد الوهاب أبو زيد

تاريخ النشر(م): 6/8/2013

تاريخ النشر (هـ): 28/9/1434

منشأ:

رقم العدد: 18386

الباب/ الصفحة: 25 - آفاق

< حين تصافح عيناك غلاف كتاب الدكتور نادر كاظم الأخير بعنوانه المسطر باللون الأحمر"إنقاذ الأمل"، وصورة يد الطفلة الصغيرة التي ترتفع بعلامة النصر، فإن جرعة من التفاؤل ستبث في نفسك، متوقعاً أن الكتاب والكاتب يروجان للأمل ويدعوان"لتربيته"حسب تعبير الشاعر محمود درويش في قصيدته الطويلة"حالة حصار".

العنوان الفرعي للكتاب كذلك،"الطريق الطويل إلى الربيع العربي"يشي بحالة احتفائية واحتفالية بالربيع الذي طال انتظاره، والذي جاء على غير حسبان. ولكن قد يكون من الخطأ قراءة الكتاب من عنوانه، أو عتباته النصية كما يقول النقاد في رطاناتهم.

يقدم لنا الأكاديمي البحريني الشاب في هذه الدراسة الرصينة والشائقة كما تعودنا منه في كتبه السابقة عرضاً تاريخياً وتحليلياً مؤصلاً وموثقاً لما يسميه"مسيرة الأمل"في تاريخ العرب الحديث، التي امتدت قرنين من الزمان، بدءاً من مطلع القرن التاسع عشر، مشبهاً تلك المسيرة بسباق المسافات الطويلة.

يتحدث أستاذ الدراسات الثقافية بجامعة البحرين بكثير من التفصيل عن ثلاث موجات، هي بمثابة ذاكرة الأمل الذي سيسفر عن"المهرجان الذي نكتب الآن تاريخه"كما يقول الشاعر البحريني سعيد العويناتي، الذي يتكرر اسمه و"مهرجانه"الموعود في أكثر من موضع في الكتاب. موجة الأمل التنويري، وموجة الأمل الثوري، وموجة التحول الديمقراطي: تلك هي موجات الأمل الثلاث المعنية على التوالي.

تتمثل موجة الأمل التنويري في جهود وإسهامات المثقفين والمفكرين العرب، الذين سعوا منذ بداية القرن التاسع عشر إلى إحياء روح نهضة ثقافية وحضارية عربية تحاكي ما وصل إليه العالم المتقدم، الذي أضحى بيننا وبينه بون شاسع وهوة ما برحت تتسع لمصلحته بالطبع. سلسلة أسماء التنويريين العرب طويلة ومشرقة بدءاً من رفاعة الطهطاوي حتى سلامة موسى وعلي عبد الرازق وطه حسين، مروراً بخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وشبلي الشميل وفرح أنطون وقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي وآخرين. ما جمع بين هؤلاء، على رغم اختلاف وتنوع منابتهم الفكرية والثقافية، هو إيمانهم بضرورة التغيير والتطور و"الارتقاء"الذي لن يتم بين ليلة وضحاها، فهو بحاجة إلى إعداد وتهيئة يطول أمدهما.

أما موجة الأمل الثوري التي اندلعت في خمسينات القرن العشرين، فجاءت بجيل، أو أنها كانت نتاجاً لجيل، آمن بأنه بالإمكان تحقيق تلك النهضة باعتناق الفكر الثوري الذي يتعجل إحداث التغيير وتبديل الوضع الراهن بما هو أفضل، بحسب رؤيته وزاوية نظره للواقع الذي بدا بطيء التفاعل، إن لم نفرط في تشاؤمنا، مع ما حاول التنويريون تحقيقه على مدى قرن ونيف دون أن يحالفهم التوفيق.

الموجة الثالثة هي موجة التحول الديمقراطي التي اجتاحت العالم في أواخر الثمانينات وفي العقد الأخير من القرن العشرين، دون أن تجد لها موطئ قدم حقيقي على امتداد خارطة العالم العربي الذي بدا عصياً على الدمقرطة. وفي حقيقة الأمر، فإنني أستغرب من تطرق المؤلف لهذه الموجة وحديثه عنها فيما يرتبط بالعالم العربي، رغم أنها لم تتحقق ولم تُنجز برغم كل ما قيل عنها وكتب، وما أقيم حولها من ندوات ومؤتمرات وحوارات ظلت أصداؤها تتردد صاخبة حيناً وعلى استحياء حيناً من الزمن حتى خفتت تماماً أو تكاد. ظلت الديمقراطية"حلماً من خيال"لم يهو تماماً طوال العقد الأول من القرن الـ21 أيضاً إلى أن اندلعت شرارة الربيع العربي، ولاحت بوادر"المهرجان"الذي طال انتظاره مع مطلع عام 2011. كلنا نعرف تماماً ما حدث من سقوط ديكتاتوريات وأنظمة حكم قرّ في روع الكثيرين منا أنها وجدت لتبقى إلى الأبد. ما كان في حكم المستحيل وغير المفكر فيه أضحى واقعاً، وبدا أن"إنقاذ الأمل"أصبح في حكم المتحقق والملموس. غير أن الفرحة لم تدم طويلاً، إن لم نقل إنها وئدت في مهدها. فحالة الفوضى"غير الخلاقة"التي أعقبت ذلك الربيع الذي صار كثيرون يتحدثون عنه بوصفه خريفاً أو حتى شتاء من المرجح أن يطول أمده، تنذر بمزيد من الفرقة والانقسام والتقهقر والصعود إلى الأسفل، مما يجعل الحديث عن"إنقاذ الأمل"محاطاً بكثير من الشكوك والريبة.