الكل"الحياة" الدوليةمجلة "الوسط""الحياة" السعودية

بين تلبية حاجات الطفل ... و "مسرحة" خياله 

تفاصيل النشر:

المصدر: الحياة

الكاتب: زكي محفوض

تاريخ النشر(م): 5/7/2007

تاريخ النشر (هـ): 6/20/1428

منشأ: بيروت

رقم العدد: 16162

الباب/ الصفحة: 16 - أسرة

"الحياة" تنقل حديثين مع مهندسين داخليين، ناديا كنج تجاوزت الخمسين وهي أستاذة في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، ووليد فتوني لم يبلغ الأربعين وهو صاحب مكتب لتصميم أعمال هندسية داخلية، و"غرافيكس"وحملات إعلانية وترويجية، ومواقع إنترنت.

وللمصادفة، درس وليد على يد ناديا في الجامعة، وناديا ابتدأت حياتها المهنية والتعليمية وهي أم. وللاثنين نظرتان لا تختلفان في الأساسيات، وإنما في منطق مقاربة المشروع.

كنج: احتياجات الطفل تؤثّر في التصميم

تقول المهندسة ناديا كنج إن احتياجات الطفل تؤثّر مباشرة في التصميم. وهي تعمد أولاً إلى تقسيم فضاء الغرفة إلى مساحات ومناطق لتوضيب أشيائه، واللعب والاختباء، وحيز لتدخّل الأهل في الغرفة. وتسعى إلى تأمين شروط الأمان من خلال تدوير الزوايا أو إخفائها. وتستخدم مواد سهلة الصيانة والتنظيف.

وتستوحي مناخ الغرفة العام من أمور يحبّها الطفل، تجسّدها بشكل فنّي وتنثرها بلطف على الأثاث والستائر.

وأولويات التصميم تمليها التفاصيل، وأما التعديلات فتجريها بما يتماشى مع شروط السلامة.

وعند البدء بتنفيذ مشروع ما، تتعاطى مع الأهل الزبون لاستقصاء معلومات عن صغارهم وأهوائهم. ومن الأهل من يتدخّل في التفاصيل، لكن معظم من تعاملوا معها منحوها ثقتهم. وهي تتفاعل معهم بهدف إقناعهم، وهنا تسهب في شرح وظائف التراكيب والمساحات وتقنية التنفيذ.

عاصرت ناديا نمطين من الزبائن. فهي عملت في حقبة لم يكن ثمة اعتبار لدور المهندس الداخلي. ومن هؤلاء من كان يكتفي باستشارتها لينفّذ مشروعه على هواه. ومع التطور الاجتماعي والثقافي، ارتفع عدد"الزبائن"الذين يدركون دور المهندس الداخلي، كما تقول. ولاحظت أيضاً أن"الغيرة"شكّلت في مرحلة ما، الدافع وراء ازدياد الطلب على خدمات"مهندس الديكور".

وفي مقاربتها تصميم غرفة المراهق، تحاول ناديا التفاعل معه مباشرة، ليطلعها على اهتماماته. وتروي قصة سرير ابنتها الذي تطوّر بحسب مراحل عمرها. ولا تعتبر كنج أن المراهق يسعى إلى"تدمير"عالم طفولته الذي تمثّله الغرفة، ولا إلى حجبه. فهو في رأيها يستخدم الإضافات بما يبرز"رموز مرحلته". وهذه تتغيّر مع الوقت. ويسعى أكثر إلى التمدّد في مساحة خصوصيته.

الحديث مع كنج اخترقه ضجيج أحفادها وتدخّل بعض أفراد أسرتها في الإجابات، لكونها تعمل وتنفّذ في جو عائلي، ولا أسرار مهنية لديها تخفيها عنهم. فالمهنة عندها جزء من الحياة وتوريث الثقافة والمعرفة.

فتوني: العلاقة بين الفضاء وخيال الطفل... وذاكرته

الحديث مع المهندس وليد فتوني أُجري في هدوء مكتبه وتصميمه الذي يشبه"مسّه الفني".

ويقارب فتوني تصميم غرفة الأطفال من وجهة نظرهم. يجالسهم ويستلهم التفاصيل من خيالهم. ويروي أن طفلة تبلغ السادسة، عبّرت عن رأيها في غرفة نومها بالقول:"حلو يكون في تخت بالغرفة"، في إشارة منها إلى قلّة أهميته لديها. فجاءت الغرفة واسعة، مع أن مساحتها ضيّقة، أشبه بملعب مسطّح، يمثّل فيها السرير، المرتفَع الوحيد. وكل التفاصيل الآخرى أتت لصيقة الجدران، وكأنها تفسح المجال لـ"حضرة"السرير.

وفتوني يدع الطفل يبني الفكرة، ويتدخّل هو كمصمم للتنفيذ والتصويب، فلا تتجسّد الفكرة فرضاً وقسراً.

وهو، ككنج، يترجم الأفكار إلى مناطق ومساحات وظيفية ولونية. فيأتي فضاء الغرفة، بحسبه، تمـــثيلاً ديناميكياً للفكرة الأساسية، لا تجسيداً حرفياً.

وفي هذا السياق، يسـتعيد فتوني تصميم غرفة نوم لفتاة في السابعة وأختها المراهقة في الخامسة عشرة. زينة ومنال.

تفاعل فتوني مع الصغيرة زينة أكثر، وعلم أنها تحب أن تغيظ أختها الكبرى مع أن الأخيرة تعتني بالأولى كثيراً. فقسّم مــــساحة الغرفة إلى حيّزين أنظر الشكل الرقم 1، واهتم بتــــفاصيل الحيّز المخصص لزينة أكثر مما فعل في حـــــيّز منال، لعلمه أن الكبرى سوف تتـــدخّل في إعادة تــــرتيبه، وفقاً لذوق مراهقتها. واللافت أنه ترك نافذة صغيرة في"الجدار الفاصل"بين الحيّزين، لتطلّ منها زينة وتمارس"إغاظة"منال.

ويرى فتوني أن معظم الأهل، من"زبائنه"، يدرك أهمية دوره كمهندس داخلي. وأحياناً كثيرة، يتعمّد فتوني"الارتجال"في مرحلة التنفيذ. وقد لاحظ، ذات تصميم، أن ثمة بناء أثرياً يتعرّض للهدم، في الشارع الذي تقع فيه العمارة، حيث ينفّذ غرفة نوم لأولاد. فنقل بعض تفاصيل المبنى إلى الستائر وتراكيب أخرى لم يُحسب لها حساب في التصميم الأصلي.

وهو قصد من ذلك، إحياء ذلك المبنى المندثر في ذاكرة قاطني الغرفة الصغار. وهو أيضاً يعمد إلى نقل بعض تفاصيل المدينة ومناظرها إلى غرفة الصغار، كخلفية يطعّمها بشخصياتهم المحببة، بقصد تقريب خيالهم من الواقع."لا ضير في أن يطير الفيل الصغير"دامبو"لديزني في سماء منطقة المنارة في بيروت"، كما يقول فتوني.

وهو يرى أن غرفة النوم بالنسبة إلى المراهق تصبح أشبه بمحــــترف أو ورشة، وفقاً لنشاطاته. وقد تكون التلاوين والفذلكات آخر همومه. ولذلك يغلّب ظهور"رموزه"والأشــــياء التي تمثّل اهتمامته: مكبرات الصوت للمسجلة، الغيتار إذا كان يهوى الموسيقى، ملصقات لمــــمثلين ورياضــــيين أو ثوار أو ســياسيين... فتأتي غرفته أشبه بفضاء من الاهتمامات"المعلّقة"...