الكل"الحياة" الدوليةمجلة "الوسط""الحياة" السعودية

ما المواد التي يجب تغييرها في عملية مراجعة الدستور العراقي ؟ 

تفاصيل النشر:

المصدر: الحياة

الكاتب: أسانغا ويليكالا - زيد صلاح العلي

تاريخ النشر(م): 12/12/2006

تاريخ النشر (هـ): 21/11/1427

منشأ:

رقم العدد: 15957

الباب/ الصفحة: 16 - قضايا

خلال وضع الدستور العراقي عام 2005، فشلت الأطراف السياسية الحاكمة في إنتاج عقد اجتماعي جديد للبلاد، الأمر الذي يساهم اليوم في تصاعد وتيرة العنف. وعلى رغم أنّ نص الدستور صُدّق عليه بموجب استفتاء شعبي، فمن الواضح تماماً أنّه لا يتمتّع بدعم شريحة كبيرة من المجتمع العراقي، فالطائفة السنية صوّتت بغالبيتها ضدّ هذا الدستور، كما أنّ مقتدى الصدر، وهو أبرز الزعماء الشيعة في العراق، رفضه إذ اعتبره"يؤدّي إلى الطائفية". وحتّى في أوساط الذين صوّتوا لإقرار الدستور، يصعب البتّ في ما إذا كانت نتائج الاستفتاء تمثّل خياراً واعياً لهم مبنياً على فهم الحيثيّات.پپپپپپپپ

قبل يومين من الاستفتاء، اتّفق عدد من الأحزاب السياسية الرئيسة في العراق على ضرورة القيام بمراجعة للدستور خلال العام 2007. واتفق على تشكيل لجنة مراجعة دستورية في شهر تشرين الثاني نوفمبر 2006 وحدّدت مهلة لإنجاز هذه المهمّة تنتهي في 15 أيار مايو 2007، فما هو التحدي الذي تواجهه اللجنة؟ لم يعد خافياً على المراقب ان الدولة العراقية تعيش حالياً على شفير الانهيار، والمراجعة الدستورية وحدها لم تعد قادرة على إصلاح الأضرار التي لحقت بالنسيج الاجتماعي، لكنّها قد تشكّل فرصة ملائمة للنخبة السياسية العراقية لإعادة بناء الجسور وضمان ثقة الشعب العراقي.پپپپ

ولضمان نجاح مساهمة لجنة المراجعة في إعادة ترسيخ شكل من أشكال السلم الاجتماعي، لا بدّ لها من إعادة النظر في عدد من المواضيع الرئيسة التي يتناولها الدستور. فعلى رغم تضمينه أحد أهمّ الأجزاء وأكثرها تقدّماً في مجال حقوق الإنسان في العالم العربي، لن يكون له أيّ تأثير ما لم تتمّ إعادة النظر في نظام الحكم المنصوص عليه في الدستور. فهو نظام فريد من انواع النظم الكونفيديرالية لا يبدو قادراً على تحقيق التوازن الضروري بين السيادة الإقليمية ومستلزمات حكومة متماسكة على المستوى الوطني. ونجم ذلك في شكل جزئي عن العيوب الكثيرة التي شابت عمليّة وضع الدستور نفسها، ممّا يزيد من أهمية عملية المراجعة التي بدأت للتوّ.پپپپپپپ

اختلال النظام الحكومي

أحد أهمّ المبادئ الرئيسة للحكومة الاتحادية هو وجوب التوازن بين الحكم الذاتي الإقليمي والحكم الوطني المشترك. فالدستور الاتحادي يحدّد عادة لائحة بالصلاحيات الحصرية الممنوحة للحكومة الاتحادية وتلك الممنوحة للصفّ الثاني من الحكومة ما يُعرف بـپ"الأقاليم"بموجب الدستور العراقي. وغالباً ما يتمّ إيراد لائحة ثالثة بالصلاحيات التي تدخل ضمن إطار الاختصاصات المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم. وفي النهاية، يتمّ عادة وضع آلية تسمح للأقاليم بالمشاركة في إدارة الحكومة المركزية.پپ

واللافت ان الدستور العراقي لا يتضمن سوى محاولة سطحية لاتّباع هذا النموذج، إذ يغلب عليه توجّه يقضي بمنح أكبر قدر ممكن من الصلاحيات للأقاليم على حساب الحكومة الاتحادية. لذا، فالدستور يورد لائحة قصيرة للغاية بالصلاحيات الممنوحة للحكومة الاتحادية بمفردها، ولائحة أخرى مماثلة بالصلاحيات المشتركة مع الأقاليم. ثم ينصّ على أنّ"كلّ ما لم ينصّ عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم". كما ينصّ الدستور على أنّ الصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، في حال الخلاف بينهما.پپپپ

نتيجة لذلك، غالباً ما تكون الحكومة الاتحادية عاجزة عن ممارسة أي سلطة في العراق في المستويات كافة. ومن الأمثلة على ذلك أنّ الدستور لا يمنح الحكومة الاتحادية أيّ صلاحية لفرض ضرائب عامة، ممّا يعني أنّ الأقاليم وحدها مخوّلة فرض الضرائب وجبايتها. وليس هنالك أيّ إطار تتقاسم الأقاليم بموجبه عائدات الضرائب مع الحكومة الاتحادية. لذا، فالحكومة الاتحادية ليست فقط مقيّدة من ناحية صلاحياتها، إنّما أيضاً عاجزة عن تأمين الموارد الضرورية التي تمكّنها من ممارسة المسؤوليات المحدودة الموكلة إليها.

ومن الأمثلة البسيطة عن الاشكالات المنافية للمنطق التي قد تنتج من هذا الإطار الدستوري هو ذلك المتعلّق بضبط حركة الملاحة الجوية. فبموجب توزيع الصلاحيات الخصوصية في الدستور العراقي، تندرج صلاحية مراقبة وضبط حركة الملاحة الجوية ضمن فئة الصلاحيات الإقليمية، وهي غير ممنوحة في شكل صريح للحكومة الاتحادية. ممّا يعني أنّ كلّ إقليم قادر على السماح أو عدم السماح لشركة طيران معيّنة بالتحليق فوق مجاله الجوي، بغضّ النظر عن الأقاليم الأخرى في البلاد. وذلك يعني عملياً أنه يجدر بكلّ شركة طيران أجنبية ترغب في التحليق فوق العراق طلب الإذن من السلطات الإقليمية كلها. اننا لم نعثر على دستور آخر في العالم ينصّ على نظام كهذا، فتطبيقه ليس مستحيلاً عملياً فحسب، بل هو مناف للمنطق إلى حدّ بعيد.پپپپپپپپپ

الأقلمة أو التجزئة؟

إقليم كردستان حالياً هو الإقليم الوحيد المعترف به في العراق، لكن الدستور يورد آلية تسمح بإنشاء المزيد من الأقاليم. حيث ينصّ على أنّه"يحقّ لكلّ محافظة أو أكثر، تكوين إقليم بناءً على طلب بالاستفتاء عليه، يقدّم بإحدى طريقتين". واللافت في هذا البند هو أنّه لا يحدد عدد المحافظات التي يمكن أن تتّحد ضمن إقليم واحد. ممّا يعني أنّ نصف أو حتّى أكثر من نصف المحافظات العراقية تستطيع الاتحاد وتكوين إقليم واحد يتمتّع عندها بصلاحيات تفوق تلك التي تحظى بها الحكومة الاتحادية نفسها. لقد صمّم هذا البند في شكل خاص بهدف انشاء أقاليم إدارية تتمتّع بقدر بالغ من الاستقلالية على أساس الانتماء العرقي كرد أو عرب أو الطائفي شيعة أو سنّة، الأمر الذي من شأنه تهديد لحمة الدولة العراقية.پپپ

وإلى جانب ذلك، هنالك تسويات دستورية لاستغلال العائدات الناتجة من الموارد الطبيعية وإدارتها وتقاسمها. وعلى رغم أنّ الدستور ينصّ على أنّ الموارد النفطيّة والغازيّة هي ملك الشعب العراقي ككلّ، إلاّ أنّه يميّز بين الحقول المستغلّة حالياً، وتلك التي لم يتمّ استغلالها بعد. فالحقول الحالية يجب أن تستغلها الحكومة الاتحادية وكلّ من المحافظات المنتجة والحكومات الإقليمية، في حين تستغلّ الحقول المستقبلية حصرياً المحافظات أو الأقاليم التي تقع هذه الحقول ضمن حدودها.پپپ

لماذا يُعتبر هذا النظام مثيراً للجدل إلى هذا الحدّ؟

أوّلاً بسبب الطريقة التي يغذّي بها النزاع الحالي. فكما هو معروف اليوم، تتركّز الموارد الطبيعيّة في العراق في كلّ من جنوب البلاد ذي الغالبية الشيعية وشمالها حيث الغالبية الكردية. ومن البديهي إذاً أنّ الفقر النسبي بالموارد النفطية والغازية في المناطق الواقعة غرب بغداد حيث الغالبية السنية وحيث المقاومة الوطنية تبلغ أوجها خارج بغداد لا يعطي هذه الطائفة أيّ دافع للقبول بنظام يركّز على الحصص الإقليمية عوض تقاسم الثروة النفطية على الصعيد العام للبلاد.پپ

ثمّة صعوبة أخرى تكمن في التمييز الحاصل بين الحقول الحالية والمستقبلية والذي ليس له أيّ مثيل دولي في أيّ من الأنظمة المنتجة للنفط في أيّ مكان من العالم. هذا التمييز مفعم بالمشاكل التعريفية التقنية والقانونية، كما أنّه يساهم على الأغلب في ركود هذا القطاع وتخفيض الاستثمارات الأجنبية وتوفير أنماط من النمو غير المتوازن والجائر بين الأقاليم، وسيؤدّي حتماً إلى نزاع خطير بين الأقاليم.پپپ

ما الذي يجب تغييره؟

لذا فعلى لجنة مراجعة الدستور:

1 إعادة صوغ توزيع الصلاحيات على المستويين الاتحادي والإقليمي وذلك للتوصّل إلى توازن أفضل بين الأقاليم والحكومة الاتحادية.

2 إنشاء آلية تسمح بتمثيل أفضل للأقاليم في عملية صنع القرار في الحكومة المركزية.

3 تنظيم عدد وحجم الأقاليم التي يمكن تشكيلها، والحرص على أن تتمكّن الأقاليم من إثبات قدراتها الموضوعية قبل تمتعها بصلاحيات مستقلّة.

4 تعديل الإطار الدستوري الحالي لمعالجة موضوع الموارد النفطية والغازية، بما في ذلك استنباط نظام أكثر عدالة لتقاسم الثروات.پ

إنّ آلية مراجعة الدستور وإعادة صوغه لا تقلّ أهميّة أبداً عن جوهر مضمونه. فطريقة صوغ الدستور العراقي التي اتبعت خلال العام 2005 شابتها أخطاء كثيرة لأسباب ليس هنا مجال الحديث عنها، لذا يجب الانتباه الى تفادي الوقوع في الخطأ نفسه خلال المراجعة الدستورية.پ

ولا بدّ من استيفاء عدد من الشروط ليكون الدستور قادراً على لعب دور العقد الاجتماعي الشرعي بين المجموعات التي تشكّل المجتمع. فالمجتمع ككلّ يجب أن يكون داعماً للدستور، وذلك يتمّ حين تشعر الأطراف المعنية كلها بأنّها جزء من العملية. ولتحقيق ذلك، لا بدّ من إجراء المفاوضات الدستورية في شكل شفاف للغاية وبطريقة تسمح للعراقيين كلهم بالمشاركة فعلياً. وأخيراُ لا بدّ من أن تعكس عملية وضع أو مراجعة الدستور مسعى وطنياً حقيقياً، يمثّل اللحظة التاريخية لوطن مستعد لتقديم أفضل حكومة ممكنة في الظروف السائدة.پپ

في ضوء هذه الاعتبارات، يبدو من الواضح أنّ عملية وضع الدستور في عام 2005 واجهت عوائق. فعلى رغم أنّ الشعب أبدى ملاحظاته لدى اللجنة الدستورية، إلاّ أن تأثيره في مضمون هذا الدستور كان ضئيلاً أو حتّى معدوماً. كما أنّ وضع مسودّة الدستور خلال الأيام الأخيرة الحاسمة التي سبقت الاستفتاء أصبح سرياً لدرجة أنّ بعض السياسيين الكبار لم يكونوا على علم بما كان يُكتب في المسودة، الامر الذي منع العراقيين من اتّخاذ قرار واعٍ، إذ لم يتمكّنوا من رؤية مسودة الدستور التي صوتوا عليها. فكم هي مهمة، مناقشة النص موضوع التصويت. فكانت النتيجة أنّ مواطنين عراقيين كثيرين لا يشعرون اليوم بالالتزام إزاء دستورهم، بخاصة في ظلّ أجواء العنف الرهيبة التي يجدون أنفسهم مضطرّين لعيشها. فيجدر باللجنة المسؤولة عن مراجعة الدستور الحرص على تفادي الوقوع في الأخطاء نفسها التي حصلت في العام 2005.پپپپپپپ

المراجعة الدستورية قد توفر فرصة ذهبيّة لمقاربة أحد أوجه ما يجب أن يتحوّل في النهاية إلى تحقيق سلام شامل في العراق. فما الدستور سوى قطعة من ورق، لكنّه يمكن أن يتحوّل إلى شيء أهمّ بكثير في حال قرّر العراقيون تحويل بنوده إلى أداة لنشر العدالة والحرية والازدهار، وذلك أقلّ ما يمكن تقديمه لشعب العراق.

* في العام 2005، شغل كلّ من أسانغا ويليكالا وزيد العلي منصب موظف قانوني في مكتب الدعم الدستوري التابع لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق. والمقال يمثل رأي الكاتبين فقط وليس أي جهة أخرى.