الكل"الحياة" الدوليةمجلة "الوسط""الحياة" السعودية

شاشات التلفزة تتقاطع مع بعض تكنولوجيات الأسلحة الحديثة . رادار "كولشوغا" السلبي يكشف طائرة "الشبح" 

تفاصيل النشر:

المصدر: الحياة

الكاتب: أحمد مغربي

تاريخ النشر(م): 3/4/2003

تاريخ النشر (هـ): 1/2/1424

منشأ:

رقم العدد: 14619

الباب/ الصفحة: 20 - تقنية المعلومات والتجارة الالكترونية

الارجح ان احداً لم يكن يتوقع ان تلعب الفضائيات العربية دوراً "عسكرياً" في الحرب الدائرة في العراق حالياً، غير الدور الإعلامي الذي تقوم به بطبيعة وجودها ووظيفتها.

ويمكن الدخول الى قصة العلاقة بين البث الفضائي المتلفز والاسلحة الحديثة من حرب "كوسوفو" عام 1999. ففي آذار مارس من ذلك العام، سقطت اول طائرة أميركية من نوع الـ"شبح". وطالما تفاخرت المؤسسة العسكرية الاميركية بان طائرة "أف-117" هي اول قاذفة استراتيجية في التاريخ لها القدرة على مخادعة شاشات الرادار، ومن هذه الميزة جاء لقبها "الطائرة الخفية" Stealth أو "الشبح". ويعود الفضل في ذلك الى امور كثيرة اهمها الطلاء الخارجي. وقد توصلت احدى الشركات اليابانية الى صنع مادة تستطيع تشتيت موجات الرادار وبعثرتها. والمعلوم ان الرادار هو الة تبث موجات تشبه اشعة "اكس"، وترسلها الى الفضاء، وعندما تصطدم هذه الموجات بأي جسم طائر، ترتد الى جهاز الرادار، فيظهر ذلك الجسم على شاشة الرادار. ويتمتع طلاء طائرة الشبح بخصوصية انه لا يسمح لموجات الرادار بالارتداد، لانه "يبعثرها" في كل اتجاه فتتشتت وتذهب سدى ولا تصل الى شاشة الرادار، وبالتالي لا تكتشف تلك الطائرة الضخمة.

البداية في "كوسوفو"

ولاحظ بعض الخبراء من دول شرق اوروبا، ان لطائرة "الشبح" اثراً آخر. فعندما تصطدم بموجات التلفزة الفضائية، اي تلك التي تبثها الاقمار الاصطناعية الى كل بيت ومنزل، فانها "تقوي" البث! وبدل ان تتبعثر موجات التلفزة، من "في اتش اف" VHF الى "اتش اف"HF ، فانها "تتجمع". وينطبق الوصف نفسه على موجات نظام التوجيه من الفضاء "جي بي اس"GPS ، وبعض موجات الراديو التي تستخدم الاقمار الاصطناعية. من هنا خطر لبعض المهندسين الحربيين في اوكرانيا استخدام هذه الظاهرة في صنع رادار قادر على التقاط موجات البث المتلفز المرتدة عن جسد الطائرة الشبح! وهذا هو الاساس في رادار "كولشوغا" Kolchuga. راجع الغرافيك مع المقال. ويتردد انه كان السبب في سقوط طائرة "اف-117" في حرب "كوسوفو". ولعل ذلك ما جذب انظار كثير من الدول اليه. ولانه لا يرسل موجات، فان رادار "كولشوغا" هو نفسه خفي! ولا تتعرف اليه انظمة كشف الرادارات في الطائرات الاميركية الحربية. وهذا هو المعنى المقصود من وصفه بالرادار "السلبي". وتبيعه اوكرانيا بمئة مليون دولار لمن... يدفع. ويقال انها باعت اثيوبيا ثلاثة رادارات عبر وسيط اسرائيلي. وفي عام 2002، ساد توجس اميركي على مصير 76 راداراً من هذا النوع انتجتها اوكرانيا. وتقدمت تلك الدولة بتقرير فيه تفاصيل عن 72 منها. اين ذهبت الاربعة المتبقية؟ لا يزال هذا السؤال موضع خلاف عميق بين حكومة الرئيس كوتشما وادارة الرئيس جورج بوش. ويصر الاوكرانيون على انهم باعوها الى الصين. وتميل الاستخبارات الاميركية الى القول انها بيعت الى العراق. وتروي مجلة "جينز" العسكرية ان الصفقة تمت عبر وسيط في الأردن.

ويزيد في عمق الأزمة ان إحدى الشركات الاميركية، وهي شركة "مارتن لوكهيد" الشهيرة في مجال الاسلحة، تمكنت من صنع نسخة متطورة من "كولشوغا" اعتماداً على موجات الهاتف الخلوي وموجات راديو "اف ام" وموجات البث التلفزيوني العادي، ما يجعله جهاز انذار لا يضارع. فهل تمكن الاوكرانيون من تطوير رادارهم كما فعلت "مارتن لوكهيد"؟ وهل باعوا العراق تلك النسخة المتطورة، ام انهم باعوه النسخ الاولى من "كولشوغا" ام انهم فعلاً لم يعطوا العراق اي شيء تحظره الامم المتحدة، وان راداراتهم الاربعة ذهبت الى الصين؟

"عين الصقر" تتعرف

وفي نموذج مشابه، تستخدم الفرق الحربية الاميركية طائرات استطلاع متطورة من نوع "إي تو آي هوك" E2 EYE HAWK، وترجمتها "عين الصقر إي2". وتشبه طائرة من نوع "اواكس" الشهيرة. وتستعمل لاغراض التجسس والاستطلاع والدعم المعلوماتي. ولا يتجاوز مداها 624 كيلومتراً. ويمكن تزويدها بالوقود جواً. وهي مخصصة لدعم اعمال فرقة عسكرية او مجموعة صغيرة من الفرق، اي انها لا تعمل على مستوى القيادة المركزية للجيش كله، كما هي حال الاواكس. وتقدر على رصد الفي هدف في الوقت نفسه. وتبث معلوماتها عبر عشر اقنية وتصنعها شركة "نورثروب غرونمان" المعروفة، وتستخدم نظام رادار "سلبياً" من نوع "كولشوغا" نفسه. وتعتمد ايضاً على موجات البث التلفزيوني الفضائي من نوعي "يو اتش اف"UHF و"اتش اف" HF. وبقول آخر، فانها وثيقة الصلة بالبث التلفزيوني.

وتعتمد كثير من الاسلحة، خصوصاً ما يوصف منها بـ"الذكية"، على نظام التوجيه من الفضاء "جي بي اس" GPS. وتستخدم الاقمار الاصطناعية كـ"عين" تقودها في مسارها. وينطبق هذا الوصف على صاروخ AGM-86، وهو النوع المتطور من صاروخ "توماهوك"، و SLAM ER، وهو تطوير لصاروخ SLAM الثقيل الوزن والمتخصص بضرب التحصينات. وتتصل عين الاقمار الاصطناعية هذه بكثير من اسلحة الجو، مثل طائرات "سوبر هورنيت اف -18"، وهي اول مقاتلة-قاصفة للأميركيين الذين طوروها استناداً الى طائرة الحرب السوفياتية الشهيرة "سوخوي"، وشبكات المعلوماتية الحربية، مثل "الانترنت التكتيكية"، وما سمي بـ"ام القنابل" MOAB وما الى ذلك.

ثقافة العين و...الحرب!

وتعطي قصة الرادار "كولشوغا" نموذجاً لبعض انواع الاسلحة الحديثة المستخدمة في الحرب الحالية. وفي المقابل، يمكن ملاحظة اثر العولمة في هذا الرادار. فقد دفعت العولمة الى سوق الاستهلاك التكنولوجي مجموعة من التقنيات المتطورة التي كانت، ايام الحرب الباردة من الاسرار العسكرية. ولعل موجات البث التلفزيوني عبر الاقمار الاصطناعية هي احداها. ولم تكن متوافرة في دول اوروبا الشرقية ايام كانت منضوية تحت لواء الاتحاد السوفياتي. وكذلك، شددت العولمة على حرية التجارة، وعلى فكرة السوق العالمي الواحد. واطلقت يد الشركات للدخول الى ما كان سابقاً حكراً على الدول ومؤسساتها. وصار الكثير من التقنيات لا يخضع للمراقبة الرسمية، ولا الى مسؤولية الدولة امام المجتمع الدولي وقوانينه واعرافه. ومن مثال ذلك ان رادار "كولشوغا" تنتجه شركة خاصة، وكذلك فان شركة اميركية خاصة هي التي صنعت النسخة المتطورة منه. وفي كلا الحالين، فإن الأمر اوصل الى انتاج اسلحة ضد "دولة العولمة" اي الولايات المتحدة الاميركية. وهذا اثر متناقض. وثمة مفارقة اخرى. فلطالما اعتبر التلفزيون، وخصوصاً شبكات التلفزة الفضائية من مظاهر العولمة في التكنولوجيا والثقافة في آن معاً. وفي هذا المعنى لا بد من سؤال عن تركز الحديث على كلمات مثل "شاشة" و"رؤية" و"كشف ما هو خفي" و"موجات التلفزة الفضائية"...الخ. وتتصل هذه الكلمات كلها بكلمة "العين" وما يتفرع منها مثل الرؤية والمشاهدة والاستطلاع والنظر وغيرها. هذا سؤال تتقاطع فيه الثقافة مع التكنولوجيا والحرب. ويزيده عمقاً ان التلفزة هي جزء من "الحرب النفسية"، اي انها في القلب من الحرب نفسها.

amoghrabi@alhayat.com