الكل"الحياة" الدوليةمجلة "الوسط""الحياة" السعودية

"ركن التعارف" 

تفاصيل النشر:

المصدر:

الكاتب: هالا محمد

تاريخ النشر(م): 18/4/2000

تاريخ النشر (هـ): 13/1/1421

منشأ:

رقم العدد: 13551

الباب/ الصفحة: 20

اشتهرت مجلاّت عربية، في كل بلد عربي تقريباً، بوجود صفحات مخصّصة للتعارف. وأشهر عناوينها ما يُسمى "ركن التعارف".

في سنّ معينّة، ولنقل ما بين 15 - 20 من عمر الشباب يتّضح الفضول المعرفي والتلهف للاتصال بما هو "خارج" أشخاصاً وأماكن ومعلومات. وكان ركن التعارف هو البريد الانفعالي السريع للرغبة في تبادل الاتصال بالآخر. وعبر الرسائل تكوّنت صداقات، وتراكمت خبرات صغيرة ومعلومات لدى المتراسلين، كلّ عن بلده وبيئته وأحلامه ومشروعاته. قد تكون هذه الخبرات والصداقات - الآن - بعد أن كبر ويكبر من كان فتىً، أصبحت نائمة في أوراقٍ علاها الاصفرار. وقد تكون انفعالات الارسال والاستقبال قد تلاشت حلاوتها الأولى من الذاكرة. إلا أن النسيان والتقادم طريقان يسلكهما الناس جيلاً بعد جيل. وما بقاء "ركن التعارف" البسيط، الساذج والجميل سوى دليل الى العبور الدائم لمنطقة انفعالات مشتركة بين البشر. في بعض المجلاّت كانت هناك أركان للتعارف بقصد الزواج، شكّلت نادياً طريفاً لطالبي القرب. وفي الصفات المطلوبة لدى الزوج أو الزوجة، نتلمس إلى حدٍّ ما، ارتباك المجتمعات العربية، وربما انغلاقها. الأمر الذي يؤشّر إلى فقر في العلاقات بمقدار ما يؤشّر إلى نوع الوحدة التي يعيشها الناس. مع ذلك فإن ركني التعارف بقصد الصداقة والمراسلة أو بقصد الزواج... ما زالا في الصحافة من مخلّفات تجزئة وتباعد وانقطاع بلدان وطننا العربي. هذا التباعد الذي يتباعد أيضاً في أيامنا على رغم حلول وسائل الاتصال الاكثر عصرية وسهولة محلّ بريد الانفعالات الذاهب في طرود والعائد في طرود مستغرقاً الأسابيع والأشهر... واحتمالات عدم الوصول. انحسرت مساحة التعارف والاتصال، على رغم أنها ينبغي أن تكون ازدادت. وكما حلّ بشعارات الوحدة العربية وما صارت إليه أفكار التوحيد والتنسيق والتضامن... إلى آخره... حدث شيء مماثل على صعيد تواصل المواطنين العرب لا سيما الشباب. فلا الوحدة المؤجّلة خلّفت وراءها بديلاً. ولا التضامن المرتبك اخترع حلاًّ، ناهيك عن تبادل الثقافة والأفكار وجهاً لوجهٍ وليس عبر أقنعة التلفزيون.

كأبناء حيّ ضخم يجمعهم المصير ولا يعرفون بعضهم قد يكون أبناء الوطن العربي. وما يُسمّى بالسياحة الداخلية - أي داخل كلّ بلد - تجعل تلاميذ المدارس في بلدٍ يعنى بهذه المسألة، يعرفون جغرافية بلدهم على الأقلّ.

ولعلنا لا نبالغ إذا اقترحنا تسمية "السياسة الداخلية" لوصف ما ينبغي أن يكون ويمكن أن يكون بالنسبة إلى الوطن العربي. فإذا ساعدت الدول مؤسسات السياحة ومنظمات الشباب والطلاب الجامعيين، فإنها تستطيع أن توفّر مناخاً لتعارفٍ بين الشباب في مختلف الأقطار. يمكن إنجاز رحلات جماعية بأسعار شبابية مخفوضة مع تنظيم برنامج إقامة وزيارات وتعارف مفيد للغرض نفسه. معسكرات ترفيهية، رحلات ذات مضمون علمي، سياحة مشتركة في نقطة لقاء جمالي بطبيعة استثنائية في هذا البلد أو ذاك، يتدرّب عبرها أبناء هذه البلدان على نطق عربيةٍ أو لغة تفاهم وحوار يفهمها الجميع. ولندع الوحدة العربية جانباً، ما دامت مؤجلة مشروعاً وممارسة واحتمالاً.

ولكن، لتفتح مؤسستها المفترضة جامعة الدول العربية باباً اجتماعياً ثقافياً لنشاطها، ولنقل فرعاً سياحياً شبابياً يشترك في برنامجه الشاب العربي لكي يرى الموريتاني كيف هي سحنة اللبناني. والسوداني كيف هو مزاج السوري والخ..الخ.. كانت العشائر، وربما ما زالت تلجأ إلى الزواج لكي تتشابك المصالح المشتركة، ولكي تصبح الدماء غالية بداعي القربى، فلا تُسفك من أجل ناقة. ألا يحقّ للقبيلة العربية الكبرى أن تتعارف فقط... في ركن حقيقي على ضفّة نهر حقيقي، في شارع حقيقي، في جلسة حقيقة... بدلاً من "ركن التعارف" الآن في برنامج بريد الغرباء، من وراء قضبان الشاشة الصغيرة!؟

* شاعرة سورية.